تحفّظات على مشروع قانون حماية الطفل

ناصر حمدادوش

ناصر حمدادوش

 إنها مهزلة خطيرة، إذ تُشرّع القوانين بطريقة غير قانونية في مؤسسة يفترض فيها أنها أول من يحترم قوانين الجمهورية، وهذا يدلّ على حالة ترهّل هذه السلطة وتحلّل مؤسسات الدولة في ظلّ حكمها ..

1/ هناك تحفّظات سياسية:

تتمثل في خطورة الانخراط في المنظومة الغربية والانبطاح الإيديولوجي لها تحت غطاء التكيّف مع الاتفاقيات الدولية، مع أن الواقع الجزائري يختلف تماما عن واقع الأسرة الغربية، وهذه الاتفاقيات تتصادم مع الخصوصية الدينية والثقافية للشعب الجزائري، ولنا الحقّ في التحفّظ عليها، وهو ما يستهدف الهوية والثوابت.

هذا المشروع يندرج ضمن منظومة متكاملة في ذلك، فبعد العبث بقانون الأسرة بالأمرية الرئاسية سنة 2005م والتوسّع في حق الخلع والتسيّب في أركان الزواج (ولي المرأة) وما ترتّب عنه من ارتفاع نسبة الطلاق والخلع (65 ألف حالة في السنة)، والالتفاف على قانون الأسرة بهذه القوانين التجزيئية والتمييعية مثل: “صندوق النفقة للمرأة الحاضنة والمطلقة” وتعديل “قانون العقوبات” تحت غطاء التشديد على العنف ضد المرأة، يأتي الآن قانون حماية الطفل وهو ما يهدّد تماسك الأسرة وانتهاك خصوصيتها.

هذا القانون جاء بصيغة قضائية عقابية أكثر منه بصيغة حماية ورعاية حقيقية للطفل، وهو ما يعني أنه يعالج النتائج ولا يعالج الأسباب، وهي متكفّل بها في قانون الإجراءات الجزائية فيما يتعلق بالأحداث في المواد من: 442 إلى: 492، والجديد فيه هو اقتراح إيجابي وهو: اقتراح الوساطة في الجنح والمخالفات دون الجنايات من أجل إسقاط الدعوى العمومية والتخلّي عن العقوبة.

الظاهر من هذه القوانين هو “سياسة اللاعقاب” و “اللا تأديب” سواء مع المرأة أو الطفل أو التلميذ، بشعارات ظاهرها الرّحمة وباطنها من قبله العذاب والشقاء لهم، ففي مثل سن: 17 أو 18 سنة ستقع جرائم كبرى مع تطوّر الحياة المعاصرة، والذهاب إلى سياسة اللاّعقاب يتنافى مع الصّرامة والعقوبة المناسبة للخطأ، ومعناه: التشجيع على الجريمة وتهديد القيم التربوية والاجتماعية.

القانون لا يفرق بين ما يتعرّض له الطفل داخل الأسرة وخارجها، مثل المنظومة الغربية التي تعتبر الأسرة مؤسسة لا خصوصية لها مثل المؤسسات الاقتصادية أو الإدارية التي تقوم العلاقات فيها على المصالح المتبادلة والبراغماتية لا على المودة والرحمة .
بينما تقوم العلاقات بين مكوّنات الأسرة الجزائرية وفق قانون الأسرة المستمدّ من الشريعة الإسلامية، ومن المنطقي أن نستند إليه في حلّ المشكلات الطارئة عليها لا إلى أحكام الاتفاقيات الدولية الغربية؟

2/ تحفّظات من حيث المضمون:

هذا القانون يتحدث عن بعض الحماية الاجتماعية والقضائية فقط، ولا يشمل حماية الطفل وحقوقه الكاملة ومنها حقوقه الصّحية والتربوية والمدنية، ومن المخزي مثلا: أن منحة الأطفال والتعويض على أدويتهم لا تعبّر عن التكفل الحقيقي بهذه الفئة الهشة في المجتمع، كما أنه لا يتحدث عن الطفل أقل من: 10 سنوات.

لا يُعقل أن يُعرّف الطفل قانونا في هذا المشروع بأنه الطفل الذي لم يبلغ: 18 سنة، وهو يتنافى مع شرعا سنّ البلوغ والتكليف وتحمّل المسؤولية، ويتنافى مع الحقيقة الواقعية وهي تطوّر جرائم الشباب في هذا السّن..

هذا المشروع متأثر بالقانون الفرنسي، ويتحدث عن الهيئة الوطنية لحماية وترقية حقوق الطفل، وهي لا تغطّي كلّ التراب الوطني في الولايات والبلديات، ولا يتحدث إلا عن صلاحيات المفوّض الوطني، مع إمكانية أخذ الطفل من أسرته، وهو ما يتنافى كذلك مع الترتيب الشرعي لمن له الحقّ في حضانته..

خطورة تعريف الطفل في خطر مثل: عجز الأبوين أو من يقوم برعاية الطفل في التحكّم في تصرفاته التي من شأنها أن تؤثر على سلامته البدنية أو النفسية أو التربوية، التقصير البيّن والمتواصل في التربية والرعاية، إتيان أي عمل ينطوي على القساوة من شأنه التأثير على توازن الطفل العاطفي أو النفسي.      وهذا سيفتح الباب واسعا في التنازع على الطفل والأحق برعايته، وهو ما يهدّد استقراره العائلي.

خطورة التوسّع في حالات الإخطار والتبليغ عن الطفل في حالة الخطر والإجراءات المتخذة: ففي المادة: 15 يمكن لكل شخص طبيعي أو معنوي أن يقوم بذلك، وفي المادة: 18 “يعفى هؤلاء إذا تصرّفوا بحسن نية من المسؤولية الإدارية أو المدنية أو الجزائية حتى وإن لم تؤدّ التحقيقات إلى أيّ نتيجة.” وهو ما سيفتح الباب واسعا من الأقارب أو الجيران في حالة الخصومة إلى استعمال هذا الحقّ للانتقام وتصفية حسابات ولو على حساب الطفل.                                                                                                  كما أن الإجراءات التي يتخذها “قاضي الأحداث” قد تكون خطيرة، وهي غير قابلة للطعن بأيّ شكلٍ من الأشكال، فالمادة: 40 تنصّ أنه يمكن تسليم الطفل إلى أحد أقاربه أو إلى أيّ شخصٍ أو عائلة جديرين بالثقة؟؟ أليس هذا تفكيكا للأسرة وتهديدا لمستقبل الطفل والدخول في متاهات لا نهاية لها؟؟

3/ تحفّظات من حيث الشكل:

عدم تجانس عنون المشروع ومضمونه: فهو يتحدث عن حماية الطفل ولكنه في مواده لا يتحدث إلا عن الطفل الجانح والطفل في حالة الخطر، وهي نسبة لا تتجاوز: 02%  من مجموع : 18 مليون طفل تحت سن: 18 سنة، وبالتالي لا يمكن تعميم هذه القانون بهذا الشكل.

وفي الأخير ننبّه إلى خطورة الاستهتار بعملية التصويت عليه يوم الاثنين: 25 ماي الماضي، حيث لم يبلغ النصاب القانوني، إذ يشترط فيه: 232 من أصل: 462 نائب، ولم يحضر إلا: 203 فقط، وهو ما يطعن في جلسة التصويت وما يترتب عنها.

 إنها مهزلة خطيرة، إذ تُشرّع القوانين بطريقة غير قانونية في مؤسسة يفترض فيها أنها أول من يحترم قوانين الجمهورية، وهذا يدلّ على حالة ترهّل هذه السلطة وتحلّل مؤسسات الدولة في ظلّ حكمها ..

ولذلك ندعو زملاءنا في مجلس الأمة إلى الانتباه إلى خطورة هذا القانون وخطورة الطريقة التي تمّت بها التصويت عليه، كما ندعو المجلس الدستوري إلى الطعن في دستوريته، ونحمّل رئيس الجمهورية مسؤولية هذا العبث الذي تمارسه الأغلبية المفبركة بقوانين الدمهورية ومؤسسات الدولة.

كما ندعو الشعب الجزائري إلى اليقظة والوقوف في وجه هذه المشاريع التي تستهدف هويته وانتهاك خصوصيته، وتُمرّر في ظلّ هذا الفراغ السياسي والمؤسساتي بسبب مرض الرئيس وعجزه عن أداء مهامه الدستورية.


النائب: ناصر حمدادوش، قيادي في حركة مجتمع السّلم

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *