عيد ميلاد سعيد.. لي!

وئام غداس

وئـام غـداس *

غالبا أتأمل التاريخ وأتساءل ما الذي بإمكانه أن يعني للآخرين، ولماذا أشعر أن أرقامه جميلة لا تشبه بقية الأرقام، هل هو تاريخ جميل حقا أم أني فقط من يراه كذلك، لأنه يوم مولدي.

في طفولتي كنت أعتقد فعلاً أن الكون بأسره ينتظر مثلي استعادة حدث عظيم، كل عام يوم عيد ميلادي، أمشي وأظن أنني محور الحياة يومئذ، أستغرب جدا عندما ينسى أحد أفراد عائلتي أن يهنئني وأحزن، كان الاحساس أوسع تجاوز أسرتي وعائلتي، تجاوز الجيران وأصدقاء العائلة المقربين، لقد كنت في المدرسة ألوم الجميع بحزم: ألم تعرفوا أن اليوم هو عيد ميلادي! دفع هذا أمي أن تخبر كل عام المعلمين مسبقاً ليهنئوني ويقبّلوني بدورهم، وحينما لا يمنعها الوقت كانت ترسل كعكة إلى المدرسة، وتقيم لي حفلا كبيرا في البيت، بسببه علقت كلمة في ذهني قالتها جدتي مرة مستنكرة مصاريف أبي “الزائدة”: هذا حفل خطوبة أو عيد ميلاد!

يحلو لي أحيانا الآن أن أسترجع حفلاتي تلك ولحظاتي العزيزة التي حرص والداي أن يوثقاها بالكاميرا، أراني طفلة تقفز من السعادة وتصيح، تجري ترقص تغنّي، وعند اقتراب فتح الهدايا تصاب بهيستيريا الفرح.. والحبّ، نعم الحبّ كانت عيناي تشعان امتنانا لكل من يتقدم مني ويفتح هديته، ليس بسبب الهدايا، بل لأن الحبّ عندي كان يعني أن يعنيك يومي المقدس ذاك.

مع تراكم السنوات، نبدأ في ملاحقة الشعيرات البيضاء في رؤوسنا، علمت في ارتيادي لصالونات الحلاقة أن الأمر لم يكن حكرا عليّ، كل الناس بلا تحديد، لكن النساء على نحو خاص، المرأة كائن ضعيف أمام التقدم في السنّ ومظاهره، هذا ما يبرر أننا في وقت معين نبدأ في إخفاء أعمارنا الحقيقية، مع السن وهموم الحياة يبدأ عداءنا لتاريخ الميلاد، ستقول لنفسك في كل عام أنك كبرت عاما آخر، ثم ما هذه الحياة العظيمة في مشاكلها وهمومها واحباطاتها وصدماتها المستمرة ليكون يوم قذفت فيها بلا إرادة مني مناسبة احتفال، كلنا نقول هذا في لحظات اليأس والتعب، مع ذلك فإن الإنجراف مع تيار التشاؤم أمر مسيء لك قبل أي أحد، والإنسان عنده ميل غريزي للحزن أكثر من الفرح، ليس عليك سوى النظر إلى نصف الكأس الممتلئة، لقد أتيت لكل الأشياء الجميلة في حياتك التي تستحقها، التفت فقط، كم أمراً رائعا وجدت؟ أنا أكيدة أنها كثيرة..

يحلو لي أحيانا الآن أن أسترجع حفلاتي تلك ولحظاتي العزيزة التي حرص والداي أن يوثقاها بالكاميرا، أراني طفلة تقفز من السعادة وتصيح، تجري ترقص تغنّي، وعند اقتراب فتح الهدايا تصاب بهيستيريا الفرح.. والحبّ…

ثمة مسألة أهم من أن يمرّ العمر، انه يمر في كل الأحوال، هذا بديهي، لذلك أفضّل أن لا أشغل بالي بذلك، أفكّر أكثر في مسألة الهدر، هدر الوقت أو استغلاله، مهما يكن لا تفقد المعني، انه جوهر وجودك، ليس مهما كم عمرك المهمّ كم سنة عشت فعلاً، وهل كان لكل الوقت الذي يمضي معنى.

أنا مع ثقافة الإحتفاء بالذات، وأحبّ نفسي لذلك، عندما كبرت.. الآن وقد تجاوزت الثلاثين ولم يعد عيد ميلادي مدعاة لفرح أحد، فإن فرحي به لم ينتهِ حتى أنه لم ينقص، في كل عام أشتري الورود لنفسي، أبدأ بتهنئتها في الصباح أمام المرآة، أذهب إلى الكوافير، قد أغير شيئا في شكلي وأشتري لنفسي هدايا كثيرة كتب وعطور وفساتين وأحذية، أشتري بنفسي كعكة عيدي وأحتفل بنفسي مع أصدقائي أو عائلتي، أفعل هذا كل عام صدقوني، أحب نفسي لأنها تستحق الحب ومن أدرى مني بنفسي؟ أدللها لأن التدليل يليق بها ومن أقرب مني إليّ ليفعل؟

لا تبتئس.. يحدث أن لا تجد أحدا حولك فلا تنتظر ما ستقدمه لك الحياة أو الآخرين..

انك قادر أن تقدم لكَ كل شيء،

عيد ميلاد سعيد لي.


  * شاعرة تونسية- نشر المقال في موقع “إرم”

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *